أبي طالب المكي
332
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
بزهدك في الدنيا أما علمت أني أرزق عبد بأيدي عبادي أحبّ إليّ من أن أرزقه بيد القدرة . وقال بعض المنقطعين إلى الله من العارفين : كنت ذا صنعة جليلة ، فأريد مني تركها ، فحاك في صدري : من أين المعاش ؟ فهتف بي هاتف : لا أراه . تنقطع إليّ وتتهمني في رزقك على أن أخدمك وليّا من أوليائي ، أو أسخر لك منافقا من أعدائي . وفي خبر عن بعض السلف : أوحى الله تبارك وتعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني وأتعبي من خدمك . وقال بعض المجاورين بمكة : كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل الله ، فرأيت ذات ليلة فقيرا يطوف بالكعبة في ظلمة الليل ، حسن الهدى والسمت . قال : فكنت أتتبع آثار قدمه وأمشي خلفه من حيث لا يشعر . فلما قضى أسبوعه وقف في الملتزم بين الباب والحجر ، فسمعته يدعو دعاء خفيا ، فأصغيت إليه ، فإذا هو يقول : جائع كما ترى ، عريان كما ترى ، فما نرى فيما ترى يا من يرى ولا يرى . قال : فنظرت فإذا عليه خلقان رثاث ، لا تكاد أن تواريه فقلت في نفسي : لا أجد لتلك الدراهم موضعا خير من هذا . قال : فتبعته حتى انصرف إلى ناحية قبة زمزم يصلَّي ركعتي الطواف ، وذهبت إلى منزلي فجئت بالدراهم فدفعتها إليه وقلت : رحمك الله أنت في مثل هذا الموضع ، وعلى مثل هذه الحالة ، فخذ هذه تنفقها . قال : وصببتها في طرف إزاره بين يديه على الأرض ، فنظر إليها ثم أخذ منها خمسة دراهم فقال : أربعة ثمن مئزرين ودرهم أتقوّت به ثلاثا . ثم قال : لا حاجة لي بسائرها . قال : فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان قد لبسهما . قال : فهجس في نفسي من أمره شيء ، فقبض على يدي فأطافني معه أسبوعا كل شوط منها في جوهر من معادن الأرض تتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين ، منها ذهب وفضة وياقوت ولؤلؤ وجوهر ، لم يظهر للناس . فقال : هذا كله قد أعطيناه فزهدنا فيه ، ونأخذ من أيدي الخلق أحبّ إلينا لأنه أحبّ إلى الله ، وأخف علينا في المطالبة ، وهذه أثقال وفتنة ، وذاك للعباد فيه رحمة ونعمة . وروينا في خبر : البلاد بلاد الله والخلق عباده ، فأينما وجدت رزقا فأقم وأحمد الله . وروينا عن ابن عباس : اختلف الناس في كل شيء إلَّا في الرزق والأجل ، أجمعوا على أنّ لا رازق إلَّا الله ولا مميت إلَّا الله . وقال : إنّ الله عزّ وجلّ لما خلق الأرزاق أمر الرياح أن تمزقها في أقطار الأرض ففرقها . فمن الناس من وقع رزقه في مائة ألف موضع ، ومنهم من وقع رزقه في عشرة آلاف موضع ، ومنهم من ألف موضع ، ومنهم من مائة موضع ، ومنهم في موضع وأقل وأكثر ، ومنهم من وقع رزقه على باب منزله يغدو ويروم إليه ، وكل عبد يسعى